عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
400
اللباب في علوم الكتاب
طريقتكم ، وأسلمتم وجهكم للّه ، وأحسنتم فلكم الجنة ، فيكون ذلك ترغيبا لهم في الإسلام ، وبيانا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه ، ويعدلوا إلى هذه الطريقة . قوله تعالى : « مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ » هو إسلام النفس لطاعة اللّه تعالى ، وإنما خصّ الوجه بالذكر لوجوه : أحدها : لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس والفكر والتخيّل [ ولذلك يقال : وجه الأمر ، أي معظمه ؛ قال الأعشى : [ السريع ] 740 - أؤوّل الحكم على وجهه * ليس قضائي بالهوى الجائر « 1 » ] « 2 » فإذا تواضع الأشارف كان غيره أولى . وثانيها : أن الوجه قد يكنى به عن النفس ، قال اللّه تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [ الليل : 20 ] . وثالثها : أن أعظم العبادات السجدة ، وهي إنما تحصل بالوجه ، فلا جرم خصّ الوجه بالذكر . [ ومعنى « أسلم » : خضع قال زيد بن عمرو بن نفيل : [ المتقارب ] 741 أ - وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا « 3 » 741 ب - وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا « 4 » فيكون المراد هنا نفسه ، والأمر بإذلالها ، وأراد به نفس الشيء ، وذلك لا يكون إلّا بانقياد الخضوع ، وبإذلال النّفس في طاعة اللّه - عز وجل - وتجنبها عن معاصيه ] « 5 » . ومعنى « للّه » أي : خالصا للّه لا يشوبه شرك . قوله تعالى : « وَهُوَ مُحْسِنٌ » جملة في محلّ نصب على حال [ والعامل فيها « أسلم » وهذه الحال حال مؤكدة لأن م ن « أسلم وجهه للّه فهو محسن » ] « 6 » . وقال الزمخشري رحمه اللّه تعالى وهو محسن له في عمله فتكون على رأيه مبيّنة ؛ لأن من أسلم وجهه قسمان : محسن في عمله وغير محسن انتهى .
--> ( 1 ) ينظر ديوانه : ( 93 ) ، الطبري : 2 / 511 ، الدر المصون : 1 / 345 . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) تبع المصنف الرّازي في إدماج البيتين . ينظر الرازي : 4 / 4 . ( 4 ) ينظر مشكل القرآن : ( 480 ) ، الطبري : 2 / 2 / 511 ، الدر المصون : 1 / 345 ، والمعارف : ص 27 ، ومجمع البيان : 1 / 1 / 187 ، والرازي : 4 / 4 ، والأغاني : 3 / 17 ، وبعده : وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما استوت شدها * سواء وأرسى عليها الجبالا ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) سقط في ب .